عين مكون وإرث برغواطة: قراءة هادئة في تاريخ مغرب ما قبل الدول المركزية
تمتدّ مدينة الكارة في أحواز الدار البيضاء كفضاء حديث نسبياً، غير أنّ قربها من موقع "عين مكون" يمنحها عمقاً تاريخياً نادراً. فهذا الموضع، الذي لا يظهر اليوم إلا بقايا متناثرة من أسوار وأحجار وقبور، يمثل إحدى آخر الشهادات المادية على تاريخ برغواطة، تلك الإمارة التي نشأت في الساحل الأطلسي الأوسط للمغرب ما بين القرن الثامن والحادي عشر الميلاديين. وقد ذكر العديد من مؤرخي العصر الوسيط هذا المكان، ومنهم الوزير الأندلسي الشهير لسان الدين ابن الخطيب الذي مرّ به خلال رحلاته، مما يثبت أهميته في الذاكرة الجغرافية والسياسية للمغرب الوسيط.
الموقع الأثري لعين مكون: آثار مادية لشعب غامض
يتميّز موقع عين مكون بكونه أحد المواقع القليلة التي ما تزال تحتفظ بشواهد أثرية مرتبطة بإمارة برغواطة، على عكس الكثير من المواقع التي طمسها الزمن أو العمران أو الحروب. ومن بين العناصر البارزة في المكان آثار أسوار قديمة، وبقايا مبانٍ سكنية أو دينية، إضافة إلى مقابر متنوّعة، بعضها يُنسب إلى البرغواطيين أنفسهم، وبعضها الآخر إلى جماعات لاحقة أو مجاورة استوطنت المنطقة بعد أفول الإمارة.
هذه المقابر تستوقف الباحثين لفرادتها؛ فهي مبنية بطريقة تختلف عن أنماط الدفن المعروفة في المغرب الإسلامي المبكر. إذ تتميز بوجود بنية حجرية عند جهة الرأس، إضافة إلى نقوش ورموز لا تُرى في أي مقابر مغربية أخرى تعود للفترة نفسها. هذه السمات تجعلها مادة مهمة لدراسة الطقوس الدينية والاجتماعية للبرغواطيين، وتثير أسئلة حول مدى تأثرهم بالعقائد المحلية وعمق التمازج الثقافي قبل اكتمال المشروع الإسلامي الرسمي في المنطقة.
الحفريات الإيطالية–المغربية: بداية علمية ما تزال تنتظر الاستكمال
في بداية الألفية الثالثة، قامت بعثة علمية إيطالية بالتعاون مع جامعة محمد الخامس بالرباط بإجراء أولى الحفريات المنظمة في الموقع. ورغم محدودية مدة البحث وإمكانياته، فقد شكلت نتائج هذه الحفريات خطوة فارقة في دراسة تاريخ برغواطة. إذ رصد الباحثون اتجاهات القبور، وطريقة تنظيمها، وطبيعة الرموز المنقوشة على بعضها، إضافة إلى بقايا بناء يرجح أنه كان مكان عبادة.
وتستند فرضية كونه مسجداً إلى وجود قوس أرضي يشبه المحراب، إضافة إلى توجيه البناء نحو الشرق، رغم أنه لا يصيب بدقة اتجاه القبلة كما ستتبلور لاحقاً في المغرب. وهذا التفصيل أثار نقاشاً واسعاً بين الباحثين: هل هو مسجد بدائي في فترة لم تكن فيها اتجاهات القبلة منتظمة بعد؟ أم أنه مكان عبادة محلي تم إدماج بعض العناصر الإسلامية فيه؟ أم أنه جزء من تجربة دينية برغواطية خاصة، لا يمكن سحب مفاهيم الفقه السني أو الشيعي اللاحق عليها؟
وقد تركت هذه الحفريات وراءها ملفات وأسئلة مؤجلة، إذ لم تتابع بعثات أخرى العمل الميداني بشكل منتظم، وهو ما يسمح للغموض بأن يستمر في تغطية الكثير من جوانب تاريخ هذه الإمارة.
تشابه قبور عين مكون مع مقابر لزناتيين في ليبيا
من النتائج اللافتة التي أثارت اهتمام المتخصصين وجود تشابه بين مقابر عين مكون البرغواطية وبين مقابر تعود إلى قبائل زناتية في شمال ليبيا. وقد لاحظت ذلك باحثة إيطالية كانت تشتغل على تاريخ شمال أفريقيا الشرقي، لتقترح فرضية وجود روابط ثقافية أو طقوسية بين مجموعات أمازيغية عبر مجال جغرافي واسع يمتد من الأطلس إلى الصحراء الليبية. ورغم أن هذا التشابه لا يثبت وجود صلة مباشرة أو هجرة مؤكدة، إلا أنه يفتح باب المقارنة بين أنماط الدفن الأمازيغية قبل اكتمال الأسلمة المؤسساتية.
هذا المعطى، إذا تأكد عبر أبحاث أخرى، قد يعيد رسم خريطة الروابط الرمزية بين القبائل الأمازيغية الكبرى، ويعزز فرضيات تأثير العقائد المحلية وطقوس الأسلاف في الممارسات الجنائزية المبكرة.
برغواطة: إسلام مبكر أم ديانة محلية متأسلمة؟
من الوجهة التاريخية، يعتبر أصل الدين البرغواطي من أكثر القضايا إثارة للجدل. فالمصادر المتوفرة — وكلها تقريباً من خصومهم السياسيين مثل البكري وابن حوقل — تقدم روايات متضاربة، يصف بعضها البرغواطيين بأنهم "أصحاب قرآن آخر" أو أصحاب "دين مبتدع"، بينما يصفهم آخرون بأنهم "مسلمون خرجوا عن الجماعة". لكن التحليل العلمي الحديث، مثل أبحاث المؤرخين المغاربة وشعيب الحليفي، يميل إلى قراءة أكثر تعقيداً واعتدالاً.
فالقرن الأول الهجري–الثاني الهجري كان مرحلة لم تتبلور فيها المذاهب الإسلامية بعد، وكانت الحدود بين الفرق الدينية والسياسية غير واضحة. كما أن صراعات الأمويين والشيعة والخوارج أثرت في المغرب، ليس عبر المذاهب الفقهية المتأخرة، بل عبر تحالفات سياسية محلية. من هذا المنظور، قد يكون الدين البرغواطي تعبيراً عن مرحلة انتقالية بين الإسلام القادم من المشرق وبين التقاليد الأمازيغية المحلية، أو ردّ فعل على سياسات الولاة الأمويين الذين واجهوا انتفاضات متكررة في المغرب الأقصى.
ومع غياب أي كتابة برغواطية داخلية، تبقى كل هذه قراءات احتمالية. فالمصادر العربية اللاحقة كتبت بعد قرون من أفول الإمارة، وأحياناً بمنطق الخصومة السياسية أو العقائدية، مما يجعل من الصعب معرفة حقيقة ما كان يجري داخل المجتمع البرغواطي.
غياب الشهادة الداخلية وصعوبة كتابة تاريخ بلا نصوص
إن أحد أبرز التحديات في دراسة برغواطة هو غياب الوثائق التي كتبها البرغواطيون أنفسهم. فكما هو الحال لدى عدد من المجموعات المغربية في القرون الأولى، لم تتأسس لدى برغواطة تقاليد تدوين مكتوبة، أو أنها اندثرت خلال الصراعات الطويلة التي قادتها الدول المرابطية ثم الموحدية ضدهم. ولذلك لا تصلنا إلا شهادات خارجية، كتبت من زاوية الخصم، وتحمِل أحكاماً مسبقة على عقيدتهم وممارساتهم السياسية.
هذا الفراغ يسمح بتعدد القراءات، لكنه يفتح أيضاً الباب أمام الاستخدامات الأيديولوجية للتاريخ: فمن السهل أن تتحول برغواطة إلى رمز لأصالة أمازيغية، أو إلى مثال على "الضلال"، أو إلى نموذج لرفض المركزية المشرقية، أو إلى مادة خطابية في الصراعات الهوياتية المعاصرة. وهنا يصبح دور المؤرخ ضرورياً، ليس لإعطاء أحكام، بل لتثبيت المسافة بين البحث العلمي والتوظيف السياسي للذاكرة.
عين مكون: ذاكرة مكان تحتاج إلى علم
يمثل موقع عين مكون فرصة نادرة لإعادة بناء جزء من تاريخ المغرب المبكر بعيداً عن الخطابات المسبقة. فالقبور والرسومات والأبنية الباقية تشكل مواداً يمكن عبرها إعادة تركيب جوانب من الحياة الاجتماعية والدينية للبرغواطيين، شريطة استكمال الحفريات والبحث الأثري المتخصص.
فالمغرب يمتلك طبقات تاريخية عديدة، بعضها ما يزال تحت الأرض. واستكشاف تاريخ إمارة مثل برغواطة لا يقتصر على تصحيح سردية تاريخية قديمة، بل يسمح بفهم ديناميات التفاعل بين المحلي والوافد، بين العقائد والسلطة، وبين الهويات المتعددة التي شكلت مسار المغرب عبر القرون.

تعليقات
إرسال تعليق