عنوان المداخلة: جراح الأطلس في متخيل الشاوية.. أحداث 1973 ومقاومة النسيان في رواية "تقرير إلى الهدهد"
سيداتي وسادتي، الحضور الكريم،
قبل أن أشرع في ملامسة تفاصيل هذا اللقاء، اسمحوا لي أن أفتح قلبي بكلمة شكر وامتنان. يسعدني ويشرفني أن أتواجد اليوم في مدينة الكارة، هذه المدينة الضاربة في جذور التاريخ المغربي، والتي يفوح منها عبق الكرم والأصالة. أتقدم بشكر جزيل لـ لسادة المنظمين الذين هيأوا لنا هذا الفضاء المعرفي، وإلى ساكنة الكارة الطيبة التي تستقبلنا اليوم بروحها المتوثقة للعلم والأدب.
أيها الحضور الكريم،
إننا لا نجتمع اليوم لمجرد استذكار واقعة تاريخية جافة، بل لنمارس "فعلاً ثقافياً" بامتياز. فالذاكرة، كما نؤمن، ليست مجرد خزان للماضي، بل هي فعل يعيد صياغة هويتنا؛ فالمجتمعات لا تُعرَف بما تملكه من حاضر فحسب، بل بما تستطيع استعادته وتذكّره من ماضيها، خاصة ذلك الماضي الذي غلفه الصمت لسنوات.
نتوقف اليوم عند محطة 3 مارس 1973، أو ما يُعرف بـ "أحداث مولاي بوعزة" أو "ثورة الأيام الأربعة". تلك اللحظة التي كانت صِداماً بين حلم ثوري راديكالي انطلق من شعاب جبال الأطلس، وبين واقع سياسي صلب. تلك الأحداث التي ظلت لعقود "ثقباً أسود" في الرواية الرسمية، تُطرح حيالها اليوم الأسئلة الكبرى: كيف تُكتب الحكاية؟ ومن يملك حق السرد؟ ومن هو الشخص الذي تم إسقاطه من قطار التاريخ؟
وهنا يتجلى دور الأدب والوعي التاريخي الذي تخلقه الرواية. ففي غياب اليقين التاريخي، تبرز رواية "تقرير إلى الهدهد" للأديب شعيب حليفي كجزء من مشروعه الروائي الممتد (مثل "زمن الشاوية" و"خط الزناتي"). حليفي هنا لا يوثق فقط، بل يستثمر المخيال الشعبي ورموز الأساطير والأصوات المنسية ليعيد ترتيب الواقع عبر الكتابة.
إن "أحداث 1973" في "تقرير إلى الهدهد" ليست مجرد تأريخ، بل هي مساحة لاستعادة ما تكسّر في وعينا الجماعي. الكتابة هنا تتحول إلى "أرشيف موازٍ"؛ لكنه ليس أرشيفاً ميتاً فوق الرفوف، بل هو أرشيف نابض بالحياة، مليء بالشكوك والتساؤلات والتخييل، بعيداً عن صرامة اليقين النهائي.
سيداتي وسادتي،
تطرح علينا هذه الرواية سؤالاً وجودياً: هل الكتابة توثيق؟ أم هي مقاومة للنسيان؟ أم هي محاولة لمنح "المنسيّ" حقه في الوجود داخل الحكاية الكبرى للمغرب؟ إن تحويل "حدث مولاي بوعزة" إلى نص روائي هو في جوهره عملية "مساءلة للصمت". فالهدهد في الرواية، بما يحمله من رمزية (كشاهد وناقل للخبر واليقين)، يطير بنا فوق تضاريس الأطلس وجباله، ليعيد لنا أسماء وأرواحاً ظلت تائهة في فيافي التاريخ المنسي.
ختاماً، إن هذا اللقاء في مدينة الكارة يطمح لأن يقدم قراءة معمقة، تبحث في كيفية تحويل "الرصاصة والدم" إلى "كلمة ومعنى"، وكيف يمكن للرواية أن ترمم هويتنا عبر منحنا الجرأة لمواجهة تاريخنا بكل ما فيه من انكسارات وآمال.
شكراً لكم على حسن استماعكم، وشكراً لمدينة الكارة على هذا الاحتضان الدافئ.

تعليقات
إرسال تعليق